ابن البطريق

27

خصائص الوحي المبين

علي في غار حراء كان النبي - حتى قبل أن يبعث بالرسالة والنبوة - يعتكف ويتعبد في غار حراء شهرا من كل سنة ، فإذا انقضى الشهر وقضى جواره من حراء انحدر من الجبل ، وتوجه إلى المسجد الحرام رأسا وطاف بالبيت سبعا ، ثم عاد إلى منزله . وهنا يطرح سؤال : وماذا كان شأن علي - عليه السلام - في تلك الأيام التي كان يتعبد ويعتكف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذك المكان مع ما عرفناه من حب الرسول الأكرم له ؟ هل كان يأخذ صلى الله عليه وآله وسلم عليا معه إلى ذلك المكان العجيب أم كان يتركه ويفارقه ؟ إن القرائن الكثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ أن أخذ عليا لم يفارقه يوما أبدا فهاهم المؤرخون يقولون : كان علي يرافق النبي دائما ولا يفارقه أبدا حتى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليا معه ( 1 ) . يقول ابن أبي الحديد : وقد ذكر علي - عليه السلام - هذا الامر في الخطبة القاصعة إذ قال : " ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري " ( 2 ) . إن هذه العبارة وإن كانت محتملة في مرافقته للنبي في حراء بعد البعثة الشريفة إلا أن القرائن السابقة وكون مجاورة النبي بحراء كانت في الأغلب قبل البعثة ، تؤيد أن هذه الجملة ، يمكن أن تكون إشارة إلى صحبة علي للنبي في حراء قبل البعثة . إن طهارة النفسية العلوية ، ونقاوة الروح التي كان علي - عليه السلام - يتحلى بها ، والتربية المستمرة التي كان يحظى بها في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كل ذلك كان سببا في أن يتصف علي - عليه السلام - ومنذ نعومة أظفاره - ببصيرة نفاذة وقلب

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 13 / 208 . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة القاصعة الرقم 187 .